جلال الدين السيوطي

740

تحفة الأديب في نحاة مغني اللبيب

قال أبو سعد السمعانيّ في كتاب النسب : ذكر تلميذه أبو زكريا التبريزيّ أنّه كان قاعدا في مسجده بمعرّة النعمان بين يدي أبي العلاء يقرأ شيئا من تصانيفه ، قال : وكنت أقمت عنده سنين ، ولم أر أحدا من أهل بلدي ، فدخل المسجد بعض جيراننا للصلاة ، فرأيته وعرفته ، فتغيّرت من الفرح ، فقال لي أبو العلاء : أيش أصابك ؟ فحكيت له أني رأيت جارا لي بعد أن لم ألق أحدا من أهل بلدي سنين . فقال لي : قم فكلّمه . فقمت وكلّمته بلسان الأذربية شيئا كثيرا إلى أن سألت عن كلّ ما أردت ، فلما رجعت وقعدت بين يديه ، قال لي : أيّ لسان هذا ؟ قلت : هذا لسان أذربيجان . فقال لي : ما عرفت اللسان ولا فهمته غير أني حفظت ما قلتما . ثم أعاد عليّ اللفظ بعينه من غير أن ينقص منه أو يزيد عليه جميع ما قلت ، وقال جاري : فتعجّبت غاية التعجّب ؛ كيف حفظ ما لم يفهمه . وكان اطلاعه على اللغة وشواهدها أمرا باهرا ، دخل على المرتضى أبي القاسم يوما ، فعثر برجل ، فقال : من هذا الكلب ؟ فقال أبو العلاء : الكلب من لا يعرف للكلب سبعين اسما . وسمعه المرتضى ، فأدناه ، واختبره ، فوجده عالما مشبعا بالفطنة والذكاء ، فأقبل عليه إقبالا كثيرا . وكان المعرّيّ يتعصّب للمتنبي ، ويفضّله على بشّار ، وأبي نواس ، وأبي تمام ، وكان المرتضى يبغضه ويتعصّب عليه ، فجرى يوما ذكره ، فتنقّصه المرتضى ، وجعل يتتبع عيوبه ، فقال المعرّيّ : لو لم يكن للمتنبي من الشعر إلا قوله : لك يا منازل في القلوب منازل لكفاه فضلا . فغضب المرتضى ، وأمر به ، فسحب برجله ، وأخرج من مجلسه ، وقال لمن بحضرته : أتدرون أيّ شيء أراد الأعمى بذكر هذه القصيدة ؛ فإنّ للمتنبي ما هو أجود منها لم يذكرها ؟ فقيل : السيد أعرف . فقال : أراد قوله في هذه القصيدة : وإذا أتتك مذمّتي من ناقص * فهي الشهادة لي بأني كامل